مقالات وآراء

الابتكار الوطني بين قائد يريد ضمانه وبين مدير يريد ضمان كرسيه!

ا.د. غادة محمد عامر
وكيل كلية الهندسة للدراسات العليا والبحوث
زميل أكاديمية ناصر العسكرية العليا

أن الابتكار ليس اختراع وليس اكتشاف علمي ولا تطوير معدلات رياضية ولا أفكار فقط، إنما هو التطبيق العملي لكل ماسبق لاجل عمل التغير الايجابي ولتقديم الافضل في كل شيء، ولخدمة ليس المجتمع الذي ينتمي الية فقط وانما البشرية جمعاء. لذلك فإن تفعيل الابتكار وخلق معرفة ليس بالأمر السهل، أنما هو عملية تحتاج لمجهود و فكر مستنير ومحاولات مستميته وايضا مخاطره، لانك لعمل ابتكار عليك في أغلب الاحيان كسر القواعد التي وضعتها لنفسك أو وضعتها البيئة المحيطة بك، وهذا في عصرنا كفيل أن يزيل أي مدير في أي مؤسسة بيروقراطية، الصوت الأعلى فيها لمجالس متهالكة تعمل بكل قوتها ضد أي تقدم أو تطور، خشية منها علي فقد القيمة الزجاجية التي يتخفون ورائها، و هذا – بمنظور متعلقي الكراسي – مخاطره .لذلك نجد أن الابتكار لن يفعل لو تم ترك في أيدي مدير كل همة إرضاء هذا النوع من المجالس او المستشيرين.
من وجهة نظري ان نقص الابتكار في منطقتنا العربية ليس بسبب فشل الحكومات كمنظومه، فبالنظر الي دول عربية كثيرة، تجد قيادة بعض هذه الدول تحاول بكل الطرق خلق بيئة داعمة وقوية للابتكار الوطني، عن طريق انشاء مراكز متقدمة، وهيئات ومجالس، وتخلق لها التشريعات التي تضمن قوتها، وتحاول جاهدة توفير الدعم المادي الازم لها، وتجدها تكرم أي فرد يمتلك أي فكر او ابتكار (إذا عرفت به)، إنما النقص هو نتيجة حتمية للأسلوب المتبع من القيادات في إدارة تلك المنظومات. لأنه إما أن تكون تلك القيادة موظف اعتيادي ليس له فكر وغير قابل للتعلم او التطور، فيكون هو نفسه ضد أي فكر ابتكاري جديد، لأنه يشعر ان هذا الفكر يحرجه أمام القيادات الأعلى وبالتالي ممكن أي يفقده كرسيه، فيحارب هذا الفكر بكل قوة. إما أن يكون عنده فكر، لكنه ليس جريئا، فيسيطر عليه مجالس ومستشارين من العصر الحجري، يرون أن أي صاحب فكر او تغير هو تهديد لبقائهم، لذلك عليهم وضع القواعد والقوانين التي تحاك بعناية فائدة لقتل أي فكر ابتكاري في المهد، والتي تتغير حسب المصلحة، بل والأخطر اضفاء صبغة المجنون او المشاغب على أي شخص ممكن ان يظهر عليه أي بوادر فكر ابتكاري. وللأسف هذه المجالس يكون لديها من الدهاء على اقناع هذا المدير، انهم عندهم ليس فقط مفاتيح بقائه على كرسيه أكبر مدة، وإنما لديهم الدرع الواقي أمام أي مخالفات سواء مالية او إدارية لأنهم أصحاب الخبرة (من حيث عدد السنين، وليس التطور والتعلم والتجديد)، فيجد هذا المدير نفسه ليس لدية سبيل الا الدخول معهم في كهوفهم المظلمة، والتعاون معهم بكل كفاءة وإخلاص على هدم أي فكر جديد.
لذلك لو قررت اي حكومه أن تفعل و تدعم الابتكار الوطني، عليها أولا وبشكل أساسي البحث وتعين الاشخاص المناسبين أصحاب الرؤية الذين يرون المنصب تكليف وليس تشريف، اللذين عملوا في جهات مختلفة وثقافات متجددة، والذين يمتلكون المواهب ولديهم القدرة علي التخيل والابداع، وعلي حل المشاكل لا تصديرها، ويستطيعون أن ينجزوا أي عمل يكلفون به ويضيفون اليه، يكونوا ماهرين في الاتصال وقادرين علي بناء فرق العمل، يؤمنون بأهمية التنفيذ والمحاولة، لا يخشون الفشل ويتحملون المسؤولية عن أي قرار حتي لو كان خاطئا، شخصيات يكون لديها القدرة علي تدريب كل من حولها علي كل ما تعرف، و يمتازوا بصناعة القرارات الصائبة لمصلحة المكان والوطن ولا يخشون النقد بل يخشون فقط وفقط الله، شخصية عندها عقلية تشجيع كل التابعين لها علي الابتكار وطرح الحلول للمشكلات المستعصية، شخصية تعرف أن تحدد المسؤوليات ولا تسمح بالتضارب وبالتالي تقلل الخلافات بين فريق العمل، هي شخصية تكون مؤمنه ان الابتكارات والانجازات العظيمة تحتاج الي تعاون الكثير من الايدي وأن العنصر البشري المبتكر هو القوه المطلقة للجهات الناجحة، شخصية لا يكون هدفها هو تحديد الاجابات الصحيحة او الخاطئة، بل هدفها هو ايجاد واكتشاف الامكانيات المتعددة لحل المشاكل او لتقديم خدمات متنوعه لإسعاد كل ذات علاقة بالجهة التي يقودها. هؤلاء يطلق عليهم القيادات الابتكارية.
ولكن ليس تعين القيادة الابتكارية سيكون السبب في تفعيل منظومة الابتكار الوطني فقط، لكن على الحكومة دعم هذا القائد عن طريق اعطاءه الصلاحية لكسر حلقة البيروقراطية، ومحاربة الفساد (أي لا يجد نفسه مضطرا لعمل أي تجاوز تحت أي مسمي، حتى لو دعم أو تعيين أو مجاملة أي شخص) لان الفساد مهما كان بسيط يكون تأثيره خطير جدا علي القائد والمنظومة. ونصيحة لكل من يجد نفسه في موقع قيادة، صدقني انت راحل راحل، سواء بحكم الزمن او بحكم تغير المزاج العام او بقضاء الله، لذلك لو أردت ان تبقي حقيقي في منصب القيادة الدائم – قلوب الناس- عليك بخدمة الناس عن طريق دعم الاشخاص الذين يفكرون خارج السرب لبناء مجتمع مفكر مبدع مبتكر. هذا هو الكرسي الذي عليك ضمانه فقط!

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

إغلاق
إغلاق